يرى الباحث الاقتصادي المصري حسن النعماني أن صعود «هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة» يعكس تحولًا أوسع في طريقة إدارة الاقتصاد المصري، إذ تتزايد صلاحيات كيانات ترتبط بالرئاسة وتتمتع بوضع قانوني استثنائي، بينما تتراجع أدوار المؤسسات الحكومية التقليدية المثقلة بالبيروقراطية وتراكم التشريعات.


ويحلل معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في مقال النعماني المنشور في 25 سبتمبر 2026، صعود الهيئة التي بدأت كمشروع لاستصلاح الأراضي عام 2017، قبل أن تتحول إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في مصر. ويطرح الكاتب تساؤلات حول الكلفة المؤسسية والاقتصادية والسياسية لمنح كيان واحد صلاحيات واسعة، ومن يحدد أولوياته، وأين تذهب عوائده، ومن يخضعه للرقابة، وما إذا كان هذا النموذج قادرًا على معالجة المشكلات الاقتصادية المزمنة في البلاد.

 


من استصلاح الأراضي إلى كيان اقتصادي واسع الصلاحيات


صدر في أواخر يوليو 2026 قانون منح «هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة» صفة «هيئة ذات طبيعة خاصة» تتبع رئاسة الجمهورية، مع استقلال إداري ومالي وصلاحيات اقتصادية واستثمارية وتنظيمية واسعة. ويرى النعماني أن القانون حسم وضعًا قانونيًا ظل غامضًا، ورسّخ صلاحيات كانت الهيئة تمارسها بالفعل، ليحولها إلى قوة اقتصادية وإدارية جديدة داخل الدولة.


بدأت الهيئة عام 2017 كمشروع لاستصلاح الأراضي تابع للقوات الجوية المصرية، ضمن موجة المشروعات القومية التي أعلنها رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي. ومع مرور السنوات، توسع نشاطها الزراعي، ووصل إلى مشروع الدلتا الجديدة في الصحراء الغربية.
 

ثم امتدت أنشطتها إلى تصنيع الأغذية وتخزينها، فأنشأت صوامع للحبوب ودخلت تجارة وتصنيع الزيوت والأعلاف وغيرها. وفي ديسمبر 2024، تولت الهيئة ملف استيراد القمح بدلًا من هيئة السلع التموينية التي أدارت هذا الملف لعقود. كما توسعت في التعليم والصحة والعقارات عبر مشروع «جريان» بالشراكة مع مطورين من القطاع الخاص، قبل أن تمتد أنشطتها بحلول 2026 إلى الخدمات اللوجستية والبنية التحتية والتكنولوجيا.


ويمنح القانون الهيئة صلاحية إنشاء ما يسمى «مناطق التنمية المستدامة»، وهي مناطق جغرافية ذات «أهمية استراتيجية قومية» يمكن أن تخضع مستقبلًا لاختصاص إداري كامل للهيئة، بالمشاركة مع وزارة الدفاع. وفي هذه المناطق، تستطيع الهيئة إدارة بيئة الأعمال، واعتماد الخطط، وإصدار التراخيص، وتحديد الرسوم والإعفاءات، وتنظيم الاستيراد والتصدير والإشراف على المشروعات.


كما يتيح القانون للهيئة إنشاء صندوق سيادي وصندوق للخدمات الاجتماعية، ويعفيها من القوانين المنظمة لملكية الهيئات العامة والتعاقدات الحكومية.


ويرى النعماني أن هذا النموذج لا يمثل مجرد إنشاء هيئة حكومية جديدة، بل يوسع نمطًا أعمق في إدارة الاقتصاد، انتقلت بموجبه الموارد وصلاحيات اتخاذ القرار من الوزارات والأجهزة الخاضعة للقواعد التنظيمية التقليدية والرقابة البرلمانية إلى هيئات وصناديق وشركات تتمتع بوضع قانوني خاص، ويرتبط كثير منها مباشرة بالرئاسة.

 


«الدولة الموازية» وتحدي إصلاح الاقتصاد المصري


يستند التبرير الرسمي لإنشاء كيانات اقتصادية جديدة، بحسب الكاتب، إلى أن الجهاز الإداري التقليدي أصبح بطيئًا بسبب كثرة اللوائح وتداخل الاختصاصات وضعف التنسيق. وتحتاج المشروعات القومية، وفق هذا المنطق، إلى قيادة موحدة ومرونة في التعاقد وسرعة في نقل الأصول وتخصيص الأراضي واتخاذ القرارات.


ويقر النعماني بأن هذا الطرح يستند إلى مشكلة حقيقية، إذ تعاني البيروقراطية المصرية إجراءات معقدة وتشتتًا في الصلاحيات وضعفًا في التنسيق، بينما تختلف الجهات التي تملك الموارد أحيانًا عن الجهات المسؤولة عن اتخاذ القرار.


لكن الكاتب يرى أن هذا المسار بدأ مبكرًا خلال عهد السيسي، مع قوانين قيدت قدرة المواطنين على الطعن في العقود الحكومية وسمحت بإسناد بعض التعاقدات الحكومية بصورة مباشرة دون مناقصات تنافسية. وأسهم ذلك، بحسب تحليله، في صعود كيانات اقتصادية مرتبطة بأجهزة سيادية لتصبح طرفًا رئيسيًا في التعاقدات الحكومية.


وتكرس هذا التوجه مع إنشاء صندوق مصر السيادي عام 2018، الذي حصل على إعفاءات من قواعد التعاقدات الحكومية وأصبح، وفق النعماني، وسيطًا رئيسيًا في موجة استحواذات خليجية على أصول مصرية بدأت عام 2022.


وانتقل المنطق نفسه إلى مؤسسات أخرى؛ فأشرفت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة على عدد كبير من مشروعات الطرق والإسكان، بينما أصبحت هيئة مشروعات الأراضي بالقوات المسلحة شريكًا في العاصمة الإدارية الجديدة. وفي قطاعي الزراعة والغذاء، ظهر النموذج عبر شركات تابعة للقوات المسلحة تعمل في الصوب الزراعية والاستزراع السمكي والإنتاج الحيواني، إلى جانب شركات حكومية تدير مشروعات استصلاح الأراضي.
 

ويرى الكاتب أن «هيئة مستقبل مصر» تمنح هذا التشتت المؤسسي مظلة واحدة قابلة للتوسع، لتصبح عنوانًا مؤسسيًا يوحد ما يسميه «الدولة الموازية»، بدلًا من أن تكون مجرد جهاز حكومي آخر.


وتتمتع الهيئة، بحسب التحليل، بمزايا كان يمكن استخدامها لإصلاح المؤسسات القائمة، مثل القيادة الموحدة ومرونة التوظيف وسرعة التعاقد والقدرة على جمع الأراضي والتمويل والتنفيذ تحت سقف واحد. وفي المقابل، تظل الأجهزة الحكومية الأخرى خاضعة للقواعد نفسها التي صُممت الهيئة لتجاوزها.
 

ويحذر النعماني من أن نجاح مؤسسة استثنائية في تجاوز هذه القيود قد يتحول إلى دليل إضافي على فشل المؤسسات التقليدية، بما يشجع على منح الهيئة مزيدًا من الصلاحيات بدلًا من إصلاح القواعد التي تحكم الجهاز الإداري بأكمله.
 

ويربط الكاتب هذه المسألة كذلك بالتزامات مصر تجاه برنامجها مع صندوق النقد الدولي، الذي يمتد حتى ديسمبر 2026. فمن بين ركائز البرنامج تقليص حضور الدولة في الاقتصاد، خصوصًا الكيانات التابعة لها، وتهيئة ظروف تنافسية متكافئة تتيح للقطاع الخاص المنافسة على الأراضي والتمويل والعقود الحكومية.


ويشير النعماني إلى أن وثيقة سياسة ملكية الدولة حددت قطاعات يفترض أن تتراجع فيها الدولة، من بينها الزراعة والعقارات وتوليد الكهرباء. ورغم احتفاظ الدولة بدور في استصلاح الأراضي والري، توسعت هيئة مستقبل مصر إلى الإنتاج والتصنيع والتخزين والتجارة والعقارات، وهي أنشطة يرى الكاتب أنها تتجاوز الإطار الذي رسمته الوثيقة.


وبهذا المنظور، يرى النعماني أن قانون يوليو 2026 يسير في اتجاه مختلف عن هدف تقليص الدور الاقتصادي للدولة. فإخراج الهيئة من تبعيتها للقوات المسلحة قد يمنحها طابعًا مدنيًا ومرونة أكبر، لكن ارتباطها المباشر بالرئاسة مع استقلالها الإداري والمالي يعزز، في رأيه، موقعها ككيان اقتصادي ذي طبيعة سيادية.


ويشير الكاتب إلى مفارقة أخرى، إذ يؤكد القانون «تعزيز دور القطاع الخاص»، بينما يقول رئيس الهيئة إن نموذج عملها يعتمد على الشراكة مع شركات خاصة. لكن وجود شركاء من القطاع الخاص لا يعني بالضرورة، وفق تحليله، أن شروط المنافسة متكافئة. ويطرح هنا أسئلة حول كيفية اختيار هؤلاء الشركاء، وما إذا كان المستثمرون الآخرون حصلوا على الفرص نفسها، وكيف قُدرت قيمة الأراضي والمياه والبنية التحتية التي توفرها الدولة، ومن يتحمل مخاطر التمويل والتنفيذ.
 

 

هيئة واحدة تجمع الاستثمار والتنظيم والموارد العامة


يرى النعماني أن الوجود الاقتصادي السيادي بهذه الصورة يعمق اختلالات هيكلية عانى منها الاقتصاد المصري لعقود، وعلى رأسها الدور التوزيعي للدولة؛ فهي تحدد من يدخل السوق، ومن يحصل على الأراضي والموارد، ومن يفوز بالعقود الحكومية.


ويعتبر الكاتب هذه الأدوار مشروعة من حيث المبدأ، لكنه يرى أن ممارستها في مصر تجري دون إطار حوكمة أوسع، ما يفتح المجال أمام الفساد، خصوصًا مع ضعف الرقابة المؤسسية. كما قد ينتج عن هذا النموذج قطاع خاص يعتمد بدرجة كبيرة على العقود الحكومية، وهو ما يدفع النشاط الخاص نحو قطاعات البناء والمشروعات الحكومية على حساب مجالات اقتصادية أخرى.


ويذهب التحليل إلى أن هيئة مستقبل مصر لا تدخل السوق باعتبارها شركة حكومية أخرى، وإنما كقوة اقتصادية متكاملة تجمع بين الاستثمار ووضع السياسات وتنظيم المناطق التابعة لها. وبذلك، تجمع الهيئة عمليًا بين أدوار المستثمر والمنظم للسوق ومالك الأرض وسلطة إصدار التراخيص.


ويرى النعماني أن تركيز هذه الصلاحيات في كيان واحد يرتبط مباشرة بالرئاسة، في ظل اختلال واضح في توازن السلطات داخل الدولة، قد يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي المصري.


ويضيف أن القانون لا يلزم بتحويل أرباح الهيئة أو الصناديق التابعة لها تلقائيًا إلى الموازنة العامة، بل يجعل ذلك مرهونًا بقرار رئاسي لاحق. وبالتالي، تحصل الهيئة على امتيازات وأصول، بينها أراضٍ تُنقل إليها دون مقابل وبنية تحتية تمولها الدولة وإعفاءات من الرسوم، دون أن تحصل الخزانة العامة بالضرورة على عائد مباشر.


وعندما تُحتفظ بالأراضي والإيرادات والقروض والفوائض داخل الهيئة والجهات التابعة لها، يرى الكاتب أن أجزاء من النشاط العام قد تختفي عمليًا من الموازنة دون أن تكون الدولة قد انسحبت فعليًا من الاقتصاد. وعند هذه النقطة، تتحول الهيئة، بحسب تحليله، إلى هيكل اقتصادي موازٍ يملك القدرة على تخصيص الموارد العامة وإعادة توزيعها خارج الصورة الموحدة التي تكشف تكلفة التنمية والجهات المستفيدة منها.


ولا يعني ذلك، وفق النعماني، أن على الدولة الانسحاب الكامل من النشاط الاقتصادي، فالمشكلة لا تكمن في مشاركة الدولة بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي تشارك بها ومدى خضوعها للمساءلة والإفصاح عن تكلفة المشروعات والعقود وقواعد المنافسة.


ويحذر الكاتب من أن استمرار المشاركة الاقتصادية عبر هيئة تجمع أدوارًا متعارضة وتعمل خارج الأطر التقليدية قد لا يجعل القطاع الخاص محركًا للنمو، كما تقول الحكومة لصندوق النقد، ولا يجعل الدولة أداة لخدمة المصلحة العامة. وبدلًا من ذلك، قد ينشأ اقتصاد انتقائي تحدد فيه القوة السياسية من يحصل على الموارد والفرص، بينما يتحمل المجتمع التكلفة.


ويخلص النعماني إلى أن الدولة القديمة لم تختفِ بالكامل، كما أن الدولة الجديدة لم تولد في صورة إصلاح مؤسسي حقيقي. وما يظهر، وفق تحليله، هو نسخة أكثر تركيزًا من أوجه قصور الدولة القديمة، مع تجميع صلاحيات أكبر داخل عدد أقل من المؤسسات، واتساع نطاق الاستثناءات وتداخل الحدود بين المال العام وصنع القرار السياسي.


ومن هنا، يرى الكاتب أن السؤال لا يتعلق بمستقبل هيئة مستقبل مصر وحدها، بل بمستقبل الدولة المصرية نفسها: هل ستعيد بناء مؤسساتها العامة، أم ستواصل إضعافها لصالح هيئات استثنائية يرتبط توسعها باستمرار أوجه القصور في المؤسسات التي أُنشئت لتحل محلها؟

 

https://timep.org/2026/09/25/the-rise-of-the-parallel-state-in-egypt/